محمد أبو زهرة
83
المعجزة الكبرى القرآن
ولا شك أن هذه الجمل السامية والكلمات تصور حال إنسان غير قار ولا ثابت ، تبطره النعمة ، ويؤيسه الاختبار ، وكل ذلك في ألفاظ منسجمة في نغماتها ، متضافرة في معانيها ، تدل على النفس المنحرفة وتصورها . ولقد ختم اللّه سبحانه وتعالى الآية الكريمة بقوله تعالى : قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا ( 84 ) [ الإسراء : 84 ] ، وهنا نجد النص الكريم يفيد ما يدل على أن الناس جميعا ليسوا سواء في ذلك ، فمنهم شقى على الصورة التي ذكرها سبحانه ، ومنهم سعيد ، وهم الصابرون الذين لا تضطرب نفوسهم بنازلة تنزل ، ولا يطغون بنعمة تسبغ ، وكأن هذه الجملة في موضع التخصيص من عموم الإنسان المذكورة أولا كالاستثناء في قوله تعالى : وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ ( 9 ) وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ ( 10 ) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ( 11 ) [ هود : 9 - 11 ] . والكلمة السامية قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ ، نجد فيها ثلاث كلمات منها ينبثق نور ، فالأمر للنبي صلى اللّه عليه وسلم بأن يقول ذلك ، فيه ما يصور أن بعض الناس كذلك ، وأن في الناس من ليسوا كذلك ، فدلت كلمة « قل » التي تتضمن الرد على هذا الاعتراض المفروض . وانتقل الكلام من ضمير المتكلم من الذات العلية إلى الخطاب الذي أمر به النبي صلى اللّه عليه وسلم ، لأن الأمر تنبيه ، يتولاه صاحب الرسالة المتكلم عن اللّه نازلا إلى مرتبة المسترضين ليواجههم بالرد ، وفي ذلك فضل تنبيه وتقريب ، وذات الانتقال من المتكلم إلى المخاطب فيه تجديد بيانى ، وتصوير بلاغى ، والشاكلة - الهيئة والصورة والسجية ، والمنهج الذي يخطه لنفسه ويسير عليه من الضلالة كالأولين والهدى للمهتدين ، والشاكلة تطلق على الطريقة ، ويقول الزمخشري أنها من قولهم : طريق ذو شواكل ، الطرق التي تتشعب منها . وفي هذا الكلام معان دقيقة تنبعث من صور الكلمات ، ومرامى العبارات ، وحسن المقابلات ، إن الناس قسمان : قسم شاكلته تلقى النعمة بالإعراض ، ووراء الإعراض الظلم والطغيان والفساد في الأرض . وقسم صابر ضابط لنفسه لا تبطره النعمة ، بل يصبر عليها فيطيع ، ويقوم بحق شكرها . والأول مضطرب النفس غير منضبط القلب ، تطغيه النعمة فيستكبر ، وتؤيسه النقمة ، فيكفر باليأس من رحمة اللّه . وإن للّه تعالى العلم الكامل بالصنفين ، وهو مجاز للفريقين ، وقد ختم النص الكريم بقوله تعالت كلمته : فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا وهنا نجد المعاني تشع بنورها من هذه الكلمات .